إظهار بحث المتصفح

شريط المتصفح

البحث

 الإمام المجذوب فيلسوف متصوف ومصلح مغمور( محاضرة)

 السني عبداوه/باحث

"ما عقد أمير قط العدل في مملكته إلا وأنزل الله البركة في أرضه، ولا خان أمير قط إلا ونزع البركة من أرضه. النفس تجر للرياسة والرياسة تجر إلى حب الدنيا وحب الدنيا يجر إلى عدم العدل فإن لم يكن العدل كان الظلم، فإن كان الظلم فإن الله لا يحب الظالمين." من مناقب الإمام المجذوب وردت في محاضرة ألقاها الباحث الزميل السني عبداوه في تشيست يوم 25  يناير 2013 ضمن فعاليات النسخة من مهرجان المدن القديمة ،ولاهميتها نورد هنا نصها الكامل لقرائنا الكرام..

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

عنوان المحاضرة : الإمام المجذوب فيلسوف متصوف ومصلح مغمور

بقلم الأستاذ الباحث : السني عبداوه

 أيها الحضور الكريم السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

إن هذه الخماسية / إمام / مجذوب / فيلسوف / متصوف / مصلح التي أردت عن قصد أن يتركب منها عنوان محاضرتي هذه، لم يكن وضعي لها بهذا التراتب والترابط من قبيل الإثارة والمزايدة أو الإطراء، وإنما هي محاولة مني لإبراز جملة من الحقائق التي ينبغي اليوم إبرازها بعد ما ظل الرجل على جلالة قدره وتميز مذهبه الفكري الصوفي الرائد وطموحه ردحا من الزمن في كنف النسيان أو التناسي المتعمد، مثله مثل الكثير من حلقات تاريخنا وشخصياتنا العلمية والسياسية والاجتماعية المتنورة التي غابت أو غيبت بفعل فاعل عن الاهتمام العام، فظل ذكرها وتراثها حيا تحت رماد النسيان ينتظر من يكتشفه.

وسأتناول دلالات ومصوغات هذا العنوان الكبير من خلال المحاور التالية :

1.    الإمام المجذوب سيرته وتراثه

2.    البعد الاستراتيجي لعلاقة الإمام المجذوب بالإمام الحضرمي

3.    الأثر الحضرمي في تراث الإمام المجذوب

4.    صورة الإمام المجذوب في عيون الباحثين المعاصرين

 

الإمام المجذوب سيرته وتراثه :

 

لقد كان لي الشرف العظيم أن كنت أول باحث يكتشف ويدرك قيمة تراث الإمام المجذوب في عصرنا الحاضر – جمعا وتحقيقا ونشرا لإيصاله إلى الباحثين والقراء، بعد ما تجاوزه باحثون ودارسون، ونعتوه بالخمول والتفاهة والابتذال.

كان ذلك في بداية الثمانيات من القرن الماضي عندما عثرت على فصول من كتابه كتاب المنة مبعثرة بين مكتبات أطار حيث كانت بالنسبة أيضا لأصحاب هذه المكتبات لا تعدو مجرد نصوص مجموعة أوراد تلقاها المجذوب في القرن الحادي عشر الهجري بطريقة إملائية عن شيخه الإمام الحضرمي المتوفى بآزوكي سنة 489، كان قد اقتناها أصحاب هذه المكتبات لمجرد التبرك بها فحسب.

وبعد ثلاث وعشرين سنة من الجمع والبحث المضني تحصل لدي من تراث الإمام المجذوب ما يلي :

¨    جزءان مكتملان من الكتاب بخط القاضي عبد الله الملقب بانمو بن أحمد الشمسدي المتوفى 1260 هجرية وقد حققتهما وصدر الجزء الأول منهما سنة 2001 م.

¨    جزء مختصر في التوحيد بخط مجهول، وقد حققته وأصدرته ملحقا بالجزء الأول.

¨    مجموعة فصول من الجزء السياسي من الكتاب تشتمل على نظم وأحكام النظام الإمامي الذي أقامه المجذوب في العقد التاسع من القرن الحادي عشر الهجري في أطار، وهذا الجزء بخط مجهول كذلك.

¨    شروح وتقاريظ وشيء من السجع الصوفي بخط مجهول أيضا.

وبعد تحصلي على ما تيسر حتى الآن من هذا التراث الغني تأكدت لدي ملاحظة أولية وهي أن تراث الرجل ربما تعرض بعضه للتلف أو الإتلاف المتعمد من طرف خصومه في أطار بعد موته وتلاشي نفوذ حركته تدريجيا بعد ذلك. فقد ذكر بانمو بن أحمد الذي استنسخ الجزأين االآنيفي الذكر من كتاب المنة في مقدمة الجزء الثاني في معرض حديثه عن طريقة تلقي الإمام المجذوب كتاب المنة من الإمام الحضرمي ما نصه : حتى جمع (يعني المجذوب) من ذلك ستة أجزاء كتبا لم يبق بأيدينا منها إلا جزءان.

وقبل أن نتحدث عن هذا التراث الغني المتبقي وما ينطوي عليه من أهمية لا بد أن نتطرق إلى الدلالات اللغوية والاصطلاحية لذينك اللقبين - إمام – مجذوب الذين اشتهر بهما الرجل أكثر من اسمه الحقيقي محمد بن أحمد بن الحسين، فضلا عن المصوغات التي تبررهما.

- الإمام اصطلاحا هو من يتقدم الناس من زعيم وغيره، ومنه إمام الصلاة كما يذكر – إبراهيم أنيس في المعجم الوسيط – أما اللقب الثاني وهو الأكثر تشويقا وإثارة للفضول فهو لقب المجذوب والذي يتميز به صاحبنا في عموم البلاد دون غيره تقريبا. فالجذب صفة تحيل على أحوال التصوف وما يعني ذلك من خرق للعادة وكشف وإلهام. والجذب لغة المد والتحول، يقال جذب الشيء إذا حوله عن موضعه، أما في اصطلاح أهل التصوف فالجذب حال من أحوال النفس يغيب فيها القلب عن عالم ما يجري من أحوال الخلق فتغشاه غبطة شاملة كما يقول بذلك نديم مرعشلي، أو قل هو الترقي في مدارج أهل السلوك دون مرب ومن غير شيخ، أو بشيخ كما يقول بذلك الشيخ سيد محمد الكنتي : لا وصول إلا بأحد طريقين جذب إلهي أو سلوك على يد شيخ، أو حالة من الفيض اللدني والإلهام الإلهي يمنحها الله بعض عباده.

وغالبا ما يعرف فيها المتصوفة أحوالا ينكرها ظاهر الشرع، فهي الباب إلى الشطح والطريق إلى الفتح، فهي إذن شبه غيبة أو سكر صوفي كما يقول الشيخ بن اليماني في كتاب عقود اللآلئ في كرامات الشيخ أحمد أبي المعالي (مخطوط) : ومن المطرد عندهم أن صاحب الحال لا يزول عقله غالبا وإنما يكون مغلوبا على ما يصدر منه لا حيلة له في دفعه.

وفي شرح ميارة على ابن عاشر (الدر الثمين والمورد المعين) تقسيم للموردين إلى قسمين : مجذوبين وسالكين، وكلاهما مريد ومجذوب على التحقيق، واجههم الحق بوجهة الإكرام وتقرب إليهم فعرفوه، فلما عرفوه على هذا الوجه احتجبت الأغيار عنهم فلم يروها.

أما الإمام المجذوب نفسه فيقول في كتابه المنة ما نصه : الحمد لله الذي أصطع نور الحق في قلوب أوليائه فاستدلوا عليه بالنظر، منهم من سلك بنظره بالخلائق على الخالق، ومنهم من سلك بنظره بالخالق على الخلائق. فالسالكون استدلوا بقوله : أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض، فسبقوا بنظرهم إلى الخلائق. والمجذوبون استدلوا بالخالق لأن الفعل لا يعقل فعلا إلا بعد معرفة فاعله، وحقيقة الأشياء هي علمهم وإلا لم تعقل.

فهل نفترض أن صفة المجذوب التي أشتهر بها صاحبنا جاءت إليه من خلال تدرجه في المعرفة الربانية طبقا لرؤيته هذه في دلالتها، وقبل اتصاله بضريح الإمام الحضرمي لاحقا، أم أن لقبي المجذوب والإمام أطلقا عليه بعد علاقته بالحضرمي التي ستتوج كما سنرى بأخذه البيعة له نيابة عنه عند ضريحه بآزوكي حيث كان المجذوب هو الإمام الثاني ونائبا عن الإمام الأول الذي هو الحضرمي، بعدما أقنع أتباعه بمهدوية هذا الأخير كما ورد في كتاب المنة : أما أصل المهدي فهو علم ادخره الله عنده فهو علم معرفة الله وحقيقته مجهولة لأنه بين حي وميت، والفتى الذي يخرج على يده (يعني نفسه) من ولد فاطمة رضي الله عنها.

ولد الإمام المجذوب محمد بن أحمد بن الحسين بن أبي إسحاق بن أحمد بن شمس الدين الأصغر بن محمد فاضل بن شمس الدين الأكبر بن يحي القلقمي في أواخر القرن العاشر أو مطلع القرن الحادي عشر الهجري، وتوفي سنة 1098 هجرية.

وهكذا فقد عاش صاحبنا في بحر القرن الحادي عشر – قرن الكرامات والخوارق في بلاد شنقيط.

وعلى الرغم من شيوع العلم والمعرفة في وسطه الاجتماعي مجتمع الإمامات السبعة الشماسدة في أيامه طبقا لما تدل عليه الوثائق العقارية والنصوص الفقهية والعقلية، وتأبينات قبور أعيان محيطه من معاصرين والتي تزخر بالأوصاف والنعوت التي تحيل إلى مستويات متنوعة من المعارف مثل : الإمام الأشعري المالكي، القاضي، الفقيه، العارف الرباني ألخ، على الرغم من كل ذلك فإن المصادر تجمع على أنه كان أميا لا يكتب ولا يقرأ، دون أن تحدد الأسباب التي حالت دون تعلمه، والحالة هذه في مجتمعه.

يقول القاضي بانمو في ترجمته له في كتاب المنة الذي استنسخه من خط الإمام المجذوب نفسه سنة 1225 هجرية ما نصه : فقد كتبت يد محمد بن أحمد بن الحسين الجاهلة بالكتابة جبرا من الله لها عن شيخه الولي الميت المدفون بآزوكي محمد بن الحسن الحضرمي.

ونجد في كتاب المنة نصوصا تعزز ما ذكره القاضي بانمو حيث يقول المجذوب في سياق تزكية كرامته المتمثلة في اتصاله الروحي بالإمام الحضرمي وأخذه العلوم عنه (أي كتاب المنة) ما نصه : فلما زرنا القبر مرارا وتكرارا ولازمناه ليلا ونهارا صرنا نكتب ما سمعتموه جبرا من الله لنا. ونص ثان في سياق محاججته مع خصومه من الفقهاء : وأما أمر من قبل الله على يد جاهلة بالكتابة علمتم أنه لأمر عظيم وخبر جسيم. ونص ثالث من هذا القبيل : هاهو (يعني العلم) أخرجه الله من الأرض على حي جاهل. إلى آخر النصوص التي وردت على لسانه بهذا الخصوص والتي تؤكد على تلقيه العلم عن الحضرمي من جهة وجهله بهذه العلم أصلا من جهة أخرى.

يكتنف الغموض بدايات حياة الإمام المجذوب، غير أن الروايات الشفوية المتواترة تجمع على أنه ظهرت عليه أمارات الصلاح والزهد والميول إلى الاعتزال منذ صبوته مما لفت الأنظار إليه مبكرا وخلق له مكانة تقدير ومحبة في قلوب أهل أطار فكانوا يتوددون إليه بالهدايا ويتبركون بدعائه لشفاء أمراضهم وعللهم، ويقدمونه في صلوات الاستسقاء في زمن المحل وهو ما يزال يافعا، بل ويترصدون كل ما يظهر عليه من كرامات وخوارق وما يصدر عنه من تنبؤات، لكن البداية الحقيقية والمنطلق الفكري والاديولوجي وبروز مذهبه الصوفي لم يتبلور كل ذلك إلا بعد اكتشافه لضريح أبي بكر محمد بن الحسن الحضرمي في الأربعينيات من القرن الحادي عشر الهجري، ليتخذ منه مزارا له ولأتباعه، بل ومصدرا لعلمه وتعاليمه وتربيته الصوفية حيث كان ينقل لأتباعه ما يتلقاه منه بطريقة إملائية روحانية، أمرا ونهيا فيتلقونه بالدرس والحفظ كما هو منصوص حرفيا في كتاب المنة.

ولكي نضع قضية الإمام المجذوب في سياقها العام لا بد أن نذكر بما أشرنا إليه سابقا من أن القرن الحادي عشر الهجري كان قرن الكرامات والخوارق في بلاد شنقيط، حيث عرفت مناطق عديدة مثل هذه الظاهرة وساد فيها ذات الاعتقاد مع اختلاف بسيط في الآليات والشخوص وهو الاعتقاد الذي تميز بنزعته الباطنية القوية وميوله المطلق إلى الكرامات والخوارق والتشبث بالغيبيات فشكل بوجه من الوجوه في سياق الرواية الشفوية نمطا من أنماط التنافس (الملحمي) تحتفظ كل منطقة لنفسها بشيء منه طبقا لمزاجها السائد وخصوصيتها الثقافية، الشيء الذي تلبس فيه الكثير من الوقائع والحقائق المهمة بالخرافات، وتبدلت في سياقها المفاهيم وتعذر مع ذلك الفصل بين الحقيقة والخرافة.

ففي نفس الفترة وفي مدينة شنقيط ظهر الشاب الشاطر، أو الشريف الشاب كما عرفه صاحب فتح الشكور يقول أحمد بن الأمين صاحب الوسيط نقلا عن الرواية الشفوية : ..... قالوا ذكر أحد خدام النخل أنه رأى شخصا دخل في عين من عيون النخل يغتسل ليلا، وأنه كلما دخل يضيء بنور كالسرج .... فأخبر بعض العلماء فأمره بالقبض عليه إذا رآه مرة أخرى، وأنه يأتيه به إذا قبضه. فأتاه به فأراد أن يستنطقه فلم يفه بكلمة واحدة. وكان ذلك العالم فهم أنه من أولياء الله فوضع العالم إصبعه بين شفتيه فعلم أنه يشير إلى : من كتم علما علمه ألجمه الله بلجام من النار. فقال دعني وذلك اللجام، ثم أنهم وجدوه بحرا لا ساحل له فانتدب أربعة منهم يعلمهم، ثلاثة علويين وبكري.

ولما أراد السفر قال لهم تركت فيكم المحمدين والعبدلين وابن المختار يعني الطالب محمد. قالوا : أقام فيهم سنة وانتفعوا منه كثيرا ثم إنه أخذ أحد تلامذته المذكورين وأبلغه المحيط الأطلنتيكي فوضع إلويشه أي فراشه الذي يجلس عليه على ثبج البحر وتوارى عنه تتعاطاه الأمواج على جهة قصده. (الوسيط في تراجم أدباء شنقيط صفحة 578).

وفي أوجفت تذكر الرواية الشفوية قصة اختفاء العارف الرباني أحمد سيفر بن محمد أمير القوافل الذي كان عائدا بقافلته محملة من دلتا النهر في القرن الحادي عشر كذلك والذي أثار حفيظته فعل استنكره على أصحابه فطار من بينهم كما ينقض الطائر في الهواء، وتبعته ابنته الربية التي كانت تقوم على شؤونه أينما حل أو ارتحل، وحلق الاثنان في سماء المنطقة برهة من الوقت ليختفيا بعد ذلك عن الأنظار إلى الأبد.

وفي منطقة القبلة كان ناصر الدين أبو بكر بن أبهم بكراماته وخوارقه حيث كان يقول بأنه يلتقي بالخضر عليه السلام فيأمره بأشياء وينهاه عن أخرى، ويقول إن فلانا عمره كذا وموته بمحل كذا بسبب كذا وأنه شقي أو سعيد وأنه يسلم من هول الصراط ويقع في هول الميزان ... ويقال بمسمع منه إنه هو المهدي المنتظر ولا ينكر، بل ربما أشار إلى أنه هو – كما يذكر ذلك ابن الهاشم الغلاوي في فتواه التي أدان فيها ناصر الدين والمجذوب معا ووصفهما بالزندقة.

وتأتي الرواية الشفوية لقصة اكتشاف الإمام المجذوب لقبر القاضي أبي بكر محمد بن الحسن الحضرمي المرادي في السياق المشبع بالخيال الشعبي ذاته حسب ما أورده المختار ولد حامد في موسوعته وكذا عبد الودود ولد انتهاه في تحفة الأخيار حيث يتفقان في السياق التالي : طلب منه أخ في الله زيارة رجل صالح مدفون في تيارت (آزوكي) مجهول المحل فانشرح صدره وسار معه حتى وجدا موضعا فيه إثني عشر حجرا وفيه شجرة فوقع في نفسيهما أن ذلك هو محل قبر ذلك الرجل الصالح فذبحا عنده شاة : قالوا : فارتفع دمها إلى السماء واهتزت الشجرة فركنت نفساهما لذلك. ثم إن الإمام المجذوب نام فرأى في نومه صاحب القبر وهو ينفث في صدره ريحا باردة فصار من ذلك الوقت تأخذه الحمى وترم يده حتى تكتب ما يمليه عليه صاحب القبر إلى أن اجتمع من ذلك ستة أجزاء متوسطة تمسك بها بعض وانكرها بعض آخر، وكان من بين من أنكرها عالم شنقيط الطالب محمد بن الأعمش وكتب في ذلك نظما ونثرا، ثم أن الإمام المجذوب حج سنة 1085 ومعه ابنه عبد الرحمن وآخرون، فعرضوا الكتاب على علماء جامع الأزهر فكتب في تسليمه أبو إسحاق الشهراني وعبد الباقي الزرقاني وعلي الأجهري ومحمد الخرشي وكتب في تسليمه برهان الدين ما نصه : وقد اطلع الفقير إلى ربه على مواضيع من ذلك الكتاب فوجدها موافقة لكلام أهل السنة والجماعة ولا يتوقف حصول العلم على تعليم حي بل يكون من ميت كما وقع لذلك الرجل الصالح، وقد يكون بالإلهام من الله تعالى كما وقع للإمام البخاري، وكما في بعض الأحاديث : ما اتخذ الله من ولي جاهل وإذا اتخذه علمه إلى غير ذلك من الأدلة، فلا ينبغي لمعترض أن يتعرض لشيء من ذلك الكتاب فإن لم يفهم المعترض معناه فغيره يفهمه.

وقد أورد عبد الله بن محمد الصغير بن امبوجة التيشيتي في منظومته (تحفة المجتهد في ذكر ما للدين من مجدد) ما يعزز قصة محطة كتاب المنة في مصر وتزكية علماء الأزهر له في بداية الأمر قبل أن يتراجعوا – حسب قوله – إثر تدخل إبن الأعمش الخصم اللدود للمجذوب:

وهو ابن الأعمش الذي أقرا            بعلمه الخرشي الرضي بمصرا

كغيره وصححوا مـــا نقــله             في كتب المجذوب مما أبطلـه

 البعد الاستراتيجي لعلاقة الإمام المجذوب بالإمام الحضرمي

 وهكذا وعلى كل حال وسواء كانت قضية الإمام المجذوب كرامة بالفطرة والإلهام أو هي ناتجة عن علاقة روحية بالإمام الحضرمي على النحو الذي مر بنا فإنها في جوهرها قد مثلت تحولا عميقا في مجتمعه، كما أثارت السجالات والسجالات المضادة المترتبة عليها حركة فكرية نوعية شكلت بعد حين أساسا لنهضة فكرية كان لها ما بعدها في شتى مناطق البلاد.

إن استدراج الإمام المجذوب لأتباعه إلى ضريح الإمام الحضرمي قاضي المرابطين ومنظر دولتهم في آزوكي عاصمتهم الأولى لم يكن إغتباطيا ولا هو من قبيل لبوس الخرافة كما يتراءى للبعض وإنما كان في سياقه الأوسع والأبعد طموحا وسعيا جادا واعيا لبعث الصورة المنهجية السياسية والفكرية والقيمية الثقافية والاجتماعية للمشروع المرابطي بمختلف أبعاده من خلال :

أولا : ربط أتباعه بكرامة راسخة في أرضهم تستمد مصداقيتها من الشواهد التاريخية عندهم لتطمئن نفوسهم إليها ويمتلئ بها الفراغ المتعطش لديهم للتعلق بأسباب من ذلك القبيل وبالتالي استقطابهم إلى تقبل التعاليم التي تصدر (عنه) بالدرس والحفظ. فقد ورد في كتاب المنة ما يدل على أن ضريح الحضرمي كان مزارا ومدرسة لتعلم الفقه والتوحيد يقول المجذوب على لسان شيخه بهذا الخصوص : وإذا أتيتم البيت ومسجده تذكروا ما قلنا لكم قبل من لم يكن من أهله وكذلك العاقل من أهله لا يتخذه متكأ ولا مجلسا إلا إذا كان العلم يتلى أو يكتب، ولتتحفظ نساءكم من رجالكم واستعملوا ما عندكم من العلم وتمسكوا بقول شيخكم : فليعلم العالم منكم الجاهل والكبير الصغير.

ثانيا : صرف أنظارهم عن تأثير الأزمات الطبيعية والسياسية والحروب البينية المحيطة بهم من خلال وعظهم وإرشادهم. وهنا نلاحظ أن مجتمع المجذوب لم يشهد حربا داخلية بين أوجفت وأطار كما هو الحال بالنسبة لغيره من المجتمعات الأخرى في المنطقة.

ثالثا : صدهم عن الدعاوي المتمهدية هنا وهناك، وقد وردت بهذا الخصوص نصوص في كتاب المنة تقارع تلك الدعاوي وتحاربها بالتدرج وصولا إلا أن المهدي هو عبارة عن علم معرفة الله تعالى، وأن واسطة ذلك العلم ميت وحي الميت هو الحضرمي والحي هو المجذوب يقول هذا الأخير : وعلمنا نحن أخبر صاحبه (إشارة إلى بعض الأحاديث النبوية) أن واسطته ميت وأنه هو المهدي الموعود به. ونص ثان في سياق سجاله مع الفقهاء في القبلة : ومنها تكذيبهم بدعوى المهدي وهم يعلمون أنهم مكثوا ما شاء الله يدعون أن صاحبهم الأول هو المهدي (يعني ناصر الدين) ونحن نقول لهم لا تعينوه لأنه أمر غيب، وإذا طلبوا منا أن ننفيه لا ننفيه عني ولا عنه.

ونص ثالث متأخر عن هذه المرحلة يقول المجذوب : وقد كذبتم علما موافقا لهما (يعني الكتاب والسنة) بعد أن كنتم أكثر من ثلاثين سنة تنسبونه لأنفسكم.

ولا بد أن الإمام المجذوب في هذا السياق قد استشعر الخطر بعد ما ارسلت أوجفت وهي مدينة أجداده الأصلية، والتوأم الطبيعي والبشري لأطار دعمها العسكري في مجهود (الحرب المقدسة) التي يخوضها ناصر الدين في القبلة والذي تمثل في دفعها بستين رجلا مسلحا إلى تلك الحرب، ذلك الدعم الهام الذي قرأه الإمام المجذوب على أنه شكل من أشكال البيعة لناصر الدين الذي تدعى له المهدوية، حيث نراه يؤنب قومه صراحة بقوله : إياكم والآمال الفاسدة والأخبار الكاذبة ما زاغ من الزائغين إلا بإتباع الدعاوي الكاذبة. أما سعيكم إلى المهدي فإنه جهل منكم فإن المهدي إذا ظهر ظهر على الناس جميعا.

ويخصص الإمام المجذوب سبعة أبواب كاملة من كتاب المنة لقضية المهدي وما ورد بشأنها في الأثر ليخلص في نهايتها إلى أن حقيقة المهدي علم ادخره الله، فهو معرفة الله تعالى.

ويبدو أن الظروف ستصبح مواتية للإمام المجذوب ليطرح البديل، فوضع استيراتيجية إصلاحية شاملة أساسها التعلم والتسامح والتعاون والتكافل والسلم وحسن الجوار وشيوع العلم والمعرفة بعد أن نجح في تهذيب المفاهيم على النحو الذي مر بنا معتمدا منهجية متدرجة.

وهنا نرد ملاحظة لا تخلوا من الأهمية في هذا المقام فقد ورد في تفسيره لقوله تعالى :  وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين، ما نصه فقال : هذا ربي أي هذا من فعل ربي واضمر كلمة الفعل دفعا للحجة، وصار عليه السلام يريد ترحيل النظر إلى مقام عال ثم ثم إلى رؤية الله تعالى. وذلك من سياسة العالم إذا أراد تعليم الجاهل، لأن الأصنام في الأرض درجة، والكوكب الذي في السماء درجة. ولا مانع في هذا المقام أن يكون المجذوب وهو الذي يتهم قومه بجهل الله تعالى أن يكون قد أضمر الفعل هو الآخر دفعا للحجة. وقد اعتمد المجذوب في توصيل أفكاره لقلوب قومه أسلوبا وعظيا جميلا يأخذ من الحزم بشعبة ومن الليونة والبلاغة بشعبة فيقول :

أحبائي كونوا عقلاء لمنافعكم وناصحون لإخوانكم وأحسنوا جوار من جواركم واتقوا فتنة لا تصيبكم في دينكم ولا تلتفتوا إلى فتنة تغيركم فإن هذا سبيل الصالحين قبلكم.

أحبائي كونوا مع الصالحين وكونوا على طاعة الله إخوانا وكونوا على يد واحدة واصبروا لإساءة جواركم. إياكم لا تختلفوا مع جماعة الصالحين فإن الصالحين يدور معهم الخير.

إذا نزل القحط ونزلت الفتن بين الناس العاقل يكون ملجؤه إلى الله. اصبروا يا أحبائي على طاعة الله واصبروا للخلق واصبروا زلات الجهال ولا تغفلوا عما لله عليكم من الابرار وما للناس عليكم من الحياء والوقار. أحبائي عليكم بدينكم فاجعلوه رأس مالكم، واجعلوا الدنيا مداراة للآخرة وعليكم بالعدل في القول والفعل وتشاوروا بينكم واتبعوا أهل العلم والفضل. نسأل الله النجاة مع الدين في هذا الزمان الذي بان فساده وكثر فسقه وقطعت أرحامه وكثر سفك دمائه.

وفي مرحلة لاحقة تبدوا العلاقة وكأنها قد توطدت بين أتباع المجذوب وضريح الحضرمي فيقول الإمام المجذوب مخاطبا أتباعه : الحمد لله جعل الحضرمي سبب نجاة من نجا من أهل المغرب، وجعل مريده (يعني نفسه) سبب نجاة عقائدهم من الشبهات، وكأن الإمام المجذوب وهو يرسم بعناية ودراية الأبعاد الإصلاحية لحركته انطلاقا من آزوكي المهد الأول للفكر الحضرمي المرابطي فيبادر إلى شد انتباه قومه إلى أن الحضرمي الذي وضع هذا الفكر ورسم ايديولوجيته، كان (أول من جاء بالعقيدة الأشعرية إلى المغرب، وأول من أسس حلقة عقائدية على مذهب الأشعرية بالمغرب) كما يقول بذلك سامي النشار في مقدمة كتاب السياسة للحضرمي، وأن هذا العالم العقلاني المنقذ الأول وإن كان قد مات قبل خمسة قرون خلت، فإن فكره وتعاليمه لم تمت وهي اليوم في يد المنقذ الثاني المريد الذي هو المجذوب نفسه .

 

الأثر الحضرمي في تراث الإمام المجذوب

 

وهكذا وسعيا إلى توطيد هذه العلاقة أكثر يمضي المجذوب قدما في تسلق مدارج التربية العقلية والمعرفية الصوفية بقومه معتمدا مسحة فكرية وعقائدية حضرمية خالصة فيقول في الباب الأول من الجزء الثاني من كتاب المنة : الحمد لله الذي جعل العلوم مفاتيح القلوب، وجعل القلوب موارد الحكم، وجعلها أصنافا حكمة مكتسبة وحكمة وهبية وحكمة تجربة وحكمة وصلية وحكمة قطعية، الوصلية هي المأخوذة من ميت أو حي بلا مشافهة والقطعية هي المأخوذة من ملك إلهاما وكيفيته وجود العلم في النفس بلا واسطة معلومة، والكسبية هي المأخوذة من علماء الظاهر، والوهبية هي وجودها في الصدر بلا واسطة دفعة، والتجربة هي المأخوذة بالفطنة والنظر.

وفي الباب الأول من الجزء الأول يقول المجذوب : أول ما خلق الله العقل، والعقل عقلان عقل كسبي وعقل وهبي، العقل الكسبي هو الذي يفرق بين الإنسان والبهيمة والعقل الوهمي هو الذي يظهر محاسن العبد، فالكسبي هو الذي طبع عليه الإنسان، العقل هو الوسيلة الوحيدة للوصول إلى المعرفة وعلو المقام في الدنيا والآخرة، فبه يعرف الله وبه تعرف المنافع من المضار وهو الذي يدرك قيمة الحياة فإن الله لم يجعل الدليل عليه إلا من جهة العقل.

العقل كملك في دار حصينة يعلمه معلمه في ذلك الحصن وما علمه معلمه يظهر لمملكته، العقل هو السلطان الأكبر واللسان هو البطانة وهو الباب والعقل هو الحاكم.

فمن لا عقل له لا دين له ولا دنيا تنسب إليه ولا تنسب له آخرة وهو في المثل كالبهيمة فمن نقص عقله نقص كله، فإن المرء يأتي بغريزة عقل أقوى من ألف قبيلة، فإن جثة البعير أعظم من جثة الإنسان ومع ذلك يعلو عليه الإنسان بقوة عقله لا بقوة ذاته.

وبهذا الخصوص يقول الإمام الحضرمي : في الباب الأول كذلك من كتاب السياسة في تدبير الإمارة : إن الأحياء الناطقين والحكماء المتقدمين فرقوا بين الجماد والحيوان بالحياة وفرقوا بين البهيمة والإنسان بالعقل وفرقوا بين الشريف والخسيس بالعلم، فالعقل الطبيعي أصل للعقل الكسبي الذي يستفاد بالتعلم، وبه تعرف المنافع من المضار وهو الحاكم على القوة والمصرف لها بحسب المنفعة، فقد بان بذلك أن العلم أصل وأن القوة فرع وأن العلم روح وأن القوة جسم، وأن البعير العظيم الجثة يسخره الشيخ الضعيف المنة.

وفي حثهما على التعلم وتمجيد المعرفة يقع الحافر على الحافر كما يقال : ويتحدث الإمام المجذوب في كتاب المنة وكأنه يقوم بشرح مستفيض لباب المعرفة في كتاب السياسة للإمام الحضرمي يقول الإمام المجذوب :

عليكم بالعلم فإن الله يمنحه السعداء ويمنعه الأشقياء فإن العلم في الأرض كالغيث الذي ينزل بأرزاق الخلق والعلم يكون به دين الخلق فالعلم هو قوت الروح والجهل قحط وقحط القلوب هو القحط الضار، فليعلم العالم منكم الجاهل والكبير الصغير، العلم غيضة في زمان أهل الخير، ومن لا علم عنده لا خير فيه ولولاه ما استصاغ نعيم لصاحبه ولا خرج ثمر من شجره، ولا حب من سنبله واستعماله نجاح والتفكير فيه فلاح ومن فاته فاته خير الدنيا ومن فاته لا يرجى خيره والعقل الذي يحويه اسمه الكيس.

وفي كتاب السياسة يقول الحضرمي بهذا الصدد : ومن لا علم عنده ضعيف وإن كان قويا فقير وإن كان غنيا ونفسه زاهقة بأدنى حيلة، من لا علم له فلا أهل له ومن لا أهل له فلا ولد له ومن لا ولد له فلا ذكر له ومن لا مال له فلا عقل له ولا دنيا ولا آخرة واعلم أن من العلوم علوما للمنافع وعلوما لتزكية العقول ونشاطها، ولكل علم منها وقته من الزمان ومكانه من الخواطر والأذهان، واعلم أنه لا يكون الشبع والإخوان والأهل والأعوان إلا مع المال ولا تظهر المروءة إلا به، وقد وجدنا من لا مال له إذا أراد أن يتناول أمرا قعد به العدم عنه فيجب على العاقل إذا أراد الجود أن ينظر في التنمية. وأنت أخو العز ما التحفت بالقناعة وأنت أخو الدوام ما وقفت دون الغاية.

وفي هذا الصدد يقول الإمام المجذوب : والعلوم على ثلاثة أقسام علم تعرف به الله وعلم تعرف به الدنيا وعلم تعرف به الآخرة، فمن عدم علم ربه وآخرته ودنياه فهو جاهل منافعه، ومن جهل ربه جفا جفاء لا يسعد معه، ومن جهل دنياه آلته إلى مسكنة كمسكنة الكلب، فالكلب يطوف على الناس إذا جاع، والكلب إذا جاء إلى غير أهله إنما ما يعطونه ما لا حاجة لهم به. والمعنى أن من ليس معه شيئا من الدنيا تعرض لما في أيدي الناس ولا يعطيه الناس ما عندهم على عز.

أضف تعليق

كود امني
تحديث

معلومات إضافية