إظهار بحث المتصفح

شريط المتصفح

البحث

ترجمة العلامة محمد المامي بن البخاري الشنقيطي

(1206هـ ـ 1282هـ)

هو محمد المامي بن البخاري بن حبيب الله بن بارك الله بن أحمد بزيد ذو النسب المتصل بجعفر الطيار رضي الله عنه، ومولده سنة 1206 للهجرة ب”تيرس” في شمال موريتانيا. عاش عمرا يناهز السبعين عاما. وكنية "المامي" فى اسم الشيخ، تحريف للإمام سمي بها نسبة إلى المجاهد الشهير الإمام عبد القادر الفوتي (1140هـ- 1224) أحد أئمة فوتا الإسلامية. و والده البخاري اش

تهر بالتقى والصلاح، وجده باركلله -وهو الجد الجامع لقبيلة أهل باركلله- شارك في حرب شربب.

نشأته وتكوينه العلمي

أظهر الفتى محمد المامي نبوغا مبكرا وذكاء وقادا حيث حفظ القرآن الكريم ثم سافر إلى القبلة للعلم وتلقى تعليمه في منطقة اترارزه حيث أقام بها فترة وجيزة، لينتهي به المقام في منطقة توضباي ا الفوتية -كوركل حاليا- ثم عبر نهر السينغال واتصل بأمراء النهر الذين يحكمون بالعدل ويشجعون العلماء ، ورغم أن رحلته هذه مفقودة إلا أن المتتبع لآثاره عامة وقصائده خاصة يدرك أنها أثرت في توجهاته الفكرية والعلمية واهتماماته .

مالبث الشيخ أن عاد إلى منطقة “تيرس” (شمال) وهو لا يزال شابا، وذلك تحت ضغط قبيلته “أهل بارك الله” التي كانت بحاجة لمن يوحدها ويحميها. وهناك وفي سن مبكرة أسس محظرته التي طار ذكرها سريعا في البلاد، واجتمع عليها من الطلاب ما لم يجتمع على غيرها

لم يذكر المؤرخون أشياخا محددين أخذ عنهم العلم أو مدرسة معينة درس بها، و لعله إنما أخذ العلم عن طريق الاطلاع الواسع والرحلات العلمية. وقد التقى الشيخ محمد المامي طوائف من العلماء والفقهاء أبرزهم :

ـ أحمد البشير القلاوي (ت 1277م)

أو في الشمشوي (ت 1300)

ـ الشيخ أحمدو بن سليمان الديماني (ت 1300)

ـ الشيخ سيدي المختار الكنتي الصغير(ت 1263)

ـ محمد أحمد بن حبت الكنتي ( 1298)

ـ الشيخ محمد بن برو الشمسدي (ت 1260)

ـ سيدينا بن الطالب أحمد (1287)

ـ الشيخ محمذ فال بن متالي (ت 1287)

ـ محنض بابه بن اعبيد الديماني (ت 1277)

ـ الشيخ محمد فاضل القلقمي (ت 1286)

ـ المختار بن المعلى الحسني (1326)

ـ المصطفى بن احمد فال العلوي (ت 1290)

ـ الطالب أحمد بن اطوير الجنة الحاجي (ت 1310)

آثاره ومؤلفاته

الشيخ محمد المامي هو بحق، عالم متعدد المواهب: فهو أديب ولغوي وفقيه وأصولي ومفكر سياسي ومصلح اجتماعي ومؤرخ. ويرد الكثيرون غزارة علمه إلى ذكائه الحاد، خاصة عند الغوص في حياة هذا العالم الذي عانى من معارضيه الذين لم يقبلوا أطروحاته الجديدة عليهم.

وقد ترك العديد من المؤلفات في التوحيد والفقه والسيرة النبوية والنحو، وقوانين الدولة والجغرافيا وتكلم عن اكتشاف المعادن، إلخ... مما يجعل بالإمكان القول بأنه كان سابقا لعصره.... وقد قام بإدخال تحسينات في المناهج التربوية المعمول بها بموريتانيا آنذاك، من حيث اختصار المطولات ونظمها حتى يبسط حفظها مثل حفظ المباني في نظم المقولات النحوية، ونظم خليل وترتيب نزول الناسخ والمنسوخ وله أكثر من 28 مؤلفا وديوانا (شعر فصيح وشعر شعبي). وكان متميزا حتى في عناوين كتبه وقصائده مثل “كتاب البادية”، و"الدولفينية" و ”الموردية في الأحكام النبوية”.

اشتهر الشيخ بسرعة قياسية نظرا لعبقريته العلمية الفذة وحدة ذكائه، ففي فترة مبكرة تصدر للفتوى، وألف عشرات التآليف في الفقه، واللغة والشعر والحساب، كما أفتى في نوازل لم يُسبق لها. ومن مشروعه الإصلاحي دعوته إلى النظام وقيام دولة، كما حث الناس على العمل وطالبهم بالإتحاد وتنصيب حاكم يأمر بالعدل ودعا إلى العمران وحفر الآبار وصيد السمك.

ومن أشهر كتبه : كتاب البادية، والجرادة الصفراء، وزهر الرياض والموردية في الأحكام النبوية . كما أنه نظم “مختصر خليل” أشهر مختصرات الفقه المالكي وختمه بقصيدة سميت “السلطانية” عدد فيها بعض مؤلفاته التي تميز فيها بأنه كان يعرضها على معاصريه على سبيل النقد. وله أيضا اختصار لمنظومة بوطليحية للنابغة القلاوي، اختصرها بشكل مركز ومملوء بالرموز فيما يشبه الألغاز ...

مشروعه الإصلاحي: الدعوة إلى نصب الإمام و إلى فتح باب الاجتهاد

لم يكن الشيخ راضيا عن الواقع الاجتماعي السياسي والاجتماعي لبلده ولهذا أطلق عليها تسميات تشي بتلك الفوضى السياسية والاجتماعية مثل "البلاد السائبة" ، و"المنكب البرزخي" ، والقطر الشنظوري.

وقد وضع نصب عينيه قضية الدعوة إلى نصب الإمام وإقامة الحدود واعتبر أن غياب الإمام يؤدي إلى شيوع الفوضى وتعطيل الأحكام ، وأدى إدراكه لخصوصية البلاد إلى انتاج خطاب تميز بازدواجية كما راعى تلك الخصوصية عن إصداره للأحكام باعتبار شنقيط ومجتمعها حالة استثنائية تتطلب احكاما خاصة تنطلق من خصوصيتها الاجتماعية والدينية ، واهتمامه هذا بالفقه وواقع مجتمعه الخاص دفعه إلى تأليف نظم مختصر الخليل وكتاب البادية بعد أن أطلق العلامة محنض بابه صيحته الشهيرة (أدرك الفقه فإنه قد خرج من الأيدي ) ثم ترجم اهتمامه بالفقه السياسي إلى نظم الأحكام السلطانية للماورودي (زهر الرياض أزدرية في الأحكام الماورودية ) ودرس السياسة الشرعية في محظرته وذلك يعكس سعة أفقه العلمي وعدم تمذهبه .

وكما سبق أن أشرنا فمن مشروعه الإصلاحي دعوته إلى النظام وإلى قيام الدولة، كما حث الناس على العمل وطالبهم بالإتحاد وتنصيب حاكم يأمر بالعدل، ودعا كذلك إلى العمران وحفر الآبار وصيد السمك

والواقع أن الاهتمام بالإشكالات الناجمة عن الفراغ السياسي والعمراني شغل بال الشيخ محمد المامي؛ فقد عالجه من الوجهة التنظيرية في عدة مؤلفات أقواها في الدلالة على قوة هذا الانشغال هو نظمه لكتاب "الأحكام السلطانية" للماوردي، وحتى من الناحية العاطفية فقد كان الشيخ محمد المامي يحس بألم شديد من الفراغ السياسي في بلده ويعيش هاجس الإصلاح وجدانياً، نجد ذلك في تسمياته الساخرة للبلاد، مثل "المنكب البرزخي " ... وعمليا عُرف عن المؤلف دعوته الشهيرة إلى نصب الإمام وسعيه الحثيث فيها من خلال الاتصال بالعلماء والتحريض بالأشعار، ومنها قصيدته المشهورة:

على من ساد أمرد أو جنينا

وأجمل من كسا التاج الجبينا

صلاة مُتيّم عذراء تضحي

صلاة العاشقين لها قطينا

تلقى بالقبول أوان تهدى

يشيعها السلام لها قرينا

 

والتي يقول فيها:

وقلتم لا إمام بلا جهاد

يعززه فهلا تضربونا

وقلتم لا جهاد بلا إمام

نبايعه فهلا تنصبونا

إذا جاء الدليل وفيه دور

كفى وعظا لقوم عاقلينا

ولعل مشروع الشيخ محمد المامي، يأخذ إلى جانب البعد السياسي، أبعادا أخرى أوسع. فنجد الباحث عبد الله بن أحمد حمدي يقسم المشروع الإصلاحي لشيخنا إلى ثلاث محاور : المحور العقائدي حيث الخلاف المستحكم لدى الشناقطة على فهم العقيدة وشرحها، المحور الصوفي حيث الصراع بين الطرق الصوفية في البلاد، و المحور التشريعي حيث الصراع بين "الأصوليين" و"الفروعيين".

وبالذات على الصعيد التشريعي ، رأى الشيخ محمد المامي ضرورة تجديد الفقه خاصة في هذا القطر فنقح الكثير من الدراسات الفقهية وتعامل معها بروح نقدية اجتهادية فائقة كما رأى أن مجتمع شنقيط في القرن 13 يعيش أزمة تشريعية متجسدة في ظاهرتين بارزتين ميزتا ذلك المجتمع هما :

- خلوه من المجتهدين والكلام في النوازل على أمثلة المقلدين حيث بقي التقليد مسلكا في عقول الناس فكانت ثقافتهم وبضاعتهم الفكرية مقصورة على الثالوث المعروف "في عقد الأشعري وفقه مالك وفي طريقة الجنيد السالك "... لهذا كان من أهم أهداف الشيخ محمد المامي فتح باب الإجتهاد، هذا الاجتهاد المقيد والمنطلق من مذهب (التخريج) كما برز في كتابه "جمان" كتاب البادية .

ودعا الشيخ محمد المامي لفتح باب الاجتهاد مبينا تناقض القائلين بإغلاقه، حين يقول إن فقهاء عصره ينكرون على من حاول فتح باب الاجتهاد، ومع ذلك لا تمضي على أحدهم سبعة أيام من دون أن يجتهد في نازلة، وخاض الشيخ محمد المامي مساجلات فكرية وفقهية مشهورة مع كبار العلماء الشناقطة من معاصريه من أمثال محمد سالم المجلسي والعلامة محمد فال بن متال، ومحنض بابه بن عبيد الديماني والمختار بن محمد المجلسي، واشتهر بالسعي في الصلح بين القبائل، وبالكرم، وكان يعيش في كنفه الكثير ممن لا ملجأ لهم، كما كان موضع احترام كبير من جميع الموريتانيين والوافدين. "

منهجه فى كتاب البادية

كانت البادية منطلق دعوة الشيخ محمد المامي الإصلاحية بعد أن سبر أغوارها وأجرى دراسة مسحية لمجمل عادات وتقاليد المجتمع الشنقيطي بعد مقارنته بغيره من مجتمعات الأمصار الإسلامية الأخرى/ فخرج بنتيجة مفادها أن المجتمع الشينقيطي له خصوصياته الإجتماعية والثقافية التي لا تنطبق عليها أحكام الدول والمجتمعات وأدى هذا الاستنتاج الذي خرج به الشيخ محمد المامي إلى تأليف "كتاب البادية"، حيث يقول:

"وما ألجأني إلى جذع نخلة هذا العلم الغريب إلا مخاض ضرورات البادية وعوائدهم وهم يصدق عليهم أنهم قطر من المسلمين ولهم ضروريات وعوائد ..."

فسعى الشيخ إلى تقديم مشروع فقهي يراعي الخصوصية البدوية وطرح منهجا يزاوج بين التقعيد الفقهي و الأصولي. وعمل على تبيين أحكام جملة من النوازل البدوية عل نحو يراعي خصائص الزمان وتمايز العادات.

وإذا ما تأملنا الإشكالات الفقهية العملية التي عالجها المؤلف، فسرعان ما يظهر لنا، من خلال معالجاته، أن هناك خصوصية في بعض النوازل المطروحة لأهل شنقيط عائدة إلى الخاصيتين الأساسيتين لباديتهم: الخلوّ من العمران وما يسببه من إكراهات في "نحلة العيش"، والخلوّ من السلطان وما ينشأ عنه من غياب الأمن على الأنفس والأموال.

ولذلك يمكن وصف كتاب البادية بأنه نواة مشروع لتبيئة الفقه في حاضنة بدوية والخروج من الاتكال المطلق على الفقه الحضري، الذي ينطلق من شواغل مختلفة، أخذاً بالقاعدة الفقهية "لا ينكر اختلاف الأحكام باختلاف الزمان والأحوال".

وقد قدم له بمقدمات منهجية كرّسها لإثبات قاعدتين هما عماد منهجه الاستدلالي في إثبات خصوصية أهل البدو ببعض الأحكام التي تختلف باختلاف العادات، والقاعدتان هما:

- جواز التخريج على أصول الأئمة المتقدمين لعلماء زمانه إذا لم يجدوا في أقوالهم المنصوصة حكماً للنوازل التي عرضت لهم.

- الأخذ بالعادة التي لا تخالف الشرع لداعي المصلحة، وكذلك جواز مراعاة الضرورات التي تعرض لأهل البدو حتى لو كانت غير داخلة تحت نوع من الضرورات نص المتقدمون على اعتباره.

وقد برزت أصداء منهج الشيخ محمد المامي و دعوته إلى فتح باب الاجتهاد في العديد من المؤلفات الشنقيطية التى جاءت بعده، فنجد، على سبيل المثال، العلامة محمد مولود بن أحمد فال في كتابه "الكفاف لنوازل البادية" أغفل الأبواب التي لا يحتاج إليها أهل البادية حاجة ملحة فى نظره، مثل زكاة النقدين وصلاة الجمعة والحج والاعتكاف إلا أنه خصص في نظمه بابا للجهاد مبرزا ضرورة تنصيب الإمام وهو في ذلك يقفو سنن الشيخ محمد المامي.

توفي الشيخ رحمه الله حوالي سنة 1286 للهجرة.

معلومات إضافية